إن قدراً، أو سفينة، أو طائراً، أو سهماً من الورق أو طائرة كهذه التي يصنعها الصغار على مقاعد الدرس، هذا كله يتحول ما إن يعاد فتحه بهدوء الى صفحة من جريدة أو ورقة بيضاء. وعلى حين كان انزعاج مبهم يكدر عليّ صفوي منذ زمن طويل، فإن انصعاقي كان بالغاً عندما ادركت أن حياتي، اقصد حوادث حياتي المعاد فتحها جيداً والمفروشة أمام عيني، ما كانت سوى ورقة بيضاء كنت، من فرط طيي إياها، قد حولتها الى شيء جديد ربما كنت أنا الوحيد الذي يراه بثلاثة أبعاد، شيء له مظهر جبل، أو هاوية، جريمة أو حادث مميت. وما كان يمكن ان يبدو فعلاً بطولياً كان في الواقع شبهه، المقلد أحياناً بروعة، أو برداءة، لكن عيونا عديمة النباهة كانت تخلط بينه وبين الفعل نفسه، وتتأثر لرؤية ندب جرح طبي لا خطورة فيه ما دمت أحدثته بنفسي، ندب يحوّله من يكتشفونه الى علامة باقية من مغامرة فروسية مع امرأة مغويّة وزوج غيور ومسلح سأكتم هنا اسمه، معرباً عن وفاء واحترام للمرأة المحبوبة وعن ضرب من كبر الروح يتستر على الزوج المهان المتخيّل. هكذا كانت حياتي مؤلفة من مبادرات بلا أهمية ومنفوخة ببراعة على هيأة أفعال ذات جسارة. لكن عندما أدركت ذلك، أي أن حياتي إنما تنخطّ في تجويف، فإن هذا التجويف صار بمثل رهبة هاوية. يتمثل العمل المدعو بالدمشقة في حفر رسوم على قطع من الفولاذ بالحامض تأتي لتنغرز فيها أسلاك ذهبية. فيّ، كانت تنقص الأسلاك الذهبية. ولا شك في إن التخلّي عني الى إدارة الرعاية الاجتماعية جعل ولادتي مختلفة عن بقيّة الولادات لكنها ليست بالمرعبة أكثر، وما كانت الطفولة التي عشتها لدى مزارعين كنت أرعى أبقارهم لتختلف كثيراً عن أية طفولة، وكانت فتوّتي كلص ومومس تشبه الفتوّات الأخرى التي تسرق أو تتمومس بالفعل أو في الحلم، كلا، ما كانت حياتي المرئية سوى تصنعات مموّهة بإتقان. وكانت السجون أكثر أموميّة معي مما كانته الشوارع الساخنة في امستردام أو باريس أو برلين أو برشلونة. فما كنت لأجازف فيها بالتعرّض للقتل، ولا للموت جوعاً، وكانت أروقتها هي المكان الأكثر ايروسيّة والأكثر اراحة الذي عرفت. وستشكل الشهور التي أمضيت في الولايات المتحدة الى جانب الفهود السود هي أيضاً الدليل على التأويل السيء لحياتي وكتبي، فالفهود كانوا يرون فيّ متمرداً، إلا إذا كان قام بيني وبينهم تواطؤ ما كانوا هم أنفسهم ليتوقعوه، لأن حركتهم، التي كانت تمرداً شعرياً ولعبيّاً أكثر منها إرادة
للتغيير، إنما كانت حلماً عائماً فوق نشاط البيض
-جان جينيه -.
Labels:
مجلة فوضويات-العدد الأول
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment